الجمعة، 23 مايو 2014

من يقف وراء الفيتو المزدوج؟

كان لي شرف السعي في تهشيم الأمم المتحدة في عام 1990م بسلسلة مقالاتٍ وأبحاثٍ نُشرت في عددٍ من الصُّحف والمجلات العربية حينها، واجتمعت معاً في كتاب: الأمم المتحدة بَيْنَ الاستقلال والاستقالة والترميم، الذي صدر بدمشق في عام 1993م. لم تكن مشكلتي مع الأمم المتحدة مشكلة الفيتو. كلُّ الأمم المتحدة مشكلة، ونبعُ مشكلات. ولٰكن رُبَّما كان الفيتو هو المحرِّض الأساس لتتبع عورات الأمم المتحدة.
بقيت الأمم المتحدة بكلٍّ تناقضاتها. بقيت على الرَّغْمِ من أنَّها كانت على وشك التَّصدع الانهيار بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. بقيت لأنَّ فلسفة إيجادها لا تنتهي، لا تتصدع. توافقت الأمم على حقنها بالمورفين إلى أن صمدت ونسي دعاة التجديد ما كانوا ينادون به.
لن نعود إلى تلك السيرورة. ولٰكنَّ الفيتو المزدوج الذي ظهر مع الثورة السورية أمرٌ يستحقُّ وقفة اهتمام. الفيتو المزدوج الأوَّل الذي استخدم من قبل الصين وروسيا لمنع إدانة النظام السوري كان الأول في تاريخ الأمم المتحدة. منذ نشأة الأمم المتحدة لم يتم استخدام أيُّ فيتو مزدوج في كلِّ ما سبق من القضايا والأزمات العظيمة الفظيعة الكبرى... كان يكفي فيتو واحد فقط لتعطيل القرار أي قرار.
الفيتو المزدوج الأول الذي استخدم للدِّفاع عن النظام السوري كان سابقةً تاريخيَّةً في تاريخ الأمم المتحدة.
ثمَّ جاء الفيتو المزدوج الثاني ليضيف سابقةً تاريخيَّةً ورقماً قياسيًّا. ثمَّ جاء الثالث ليكون معجزةَ السياسة العالمية...
ولٰكن أن يستخدم الفيتو المزدوج خمس مرات في ظرف سنتين لمنع إدانة النظام السوري نفسه في حين أنَّهُ لم يحصل مثل ذۤلكَ في تاريخ الأمم المتحدة فهذا يجب أن يسجل من عجائب الدنيا، من المعجزات التي لا نظير لها في تاريخ البشرية.
أظنُّ وظنِّي يخصني:
ليست إيران وراء الفيتو الروسي الصيني.
وليست إسرائيل وراء الفيتو الروسي الصيني.
وحَتَّى أمريكا ذاتها المسرورة من هٰذا الفيتو سرور الأعمى إذا رأى ليست هي التي تقف وراء هٰذا الفيتو.
وليس ما يقدِّمه النظام السوري لروسيا والصين من مكاسب واستراتيجيا وتجارة وقواعد هو الذي يقف وراء هذا الفيتو.
إنَّ من يقف وراء الفيتو الروسي الصيني هو دولتان عربيتان عظيمتان في القدرات السياسية والآفاق الاستراتيجية.
أظنُّ شبهَ معتقدٍ أن الولايات المتحدة في حالة ارتباكٍ وحرجٍ من عدم تدخُّلها في وضع حدٍّ للأزمة السورية، لما ترتب على ذۤلكَ من إهانة للحضور الأمريكي العالمي. تجري في الخفاء عمليات ترقيعٍ هائلةٍ لمنع ظهور الضَّعف الأمريكي حيال الأزمة السورية. على رأسها التعتيم الهائل على الثورة السورية، وحرف البيانات حَتَّى لا تبدو أنَّ هناك أزمة بهٰذه الخطورة، ولا تظهر سلبيَّة الولايات المتحدة الأمريكيَّة أمام شعبها والشعوب الأخرى.
إنَّ الولايات المتحدة، على عكس ما يتخيل أو يرى الكثيرون، ليس لها مشكلة مع الإسلاميين، أو تغيير الأنظمة العربيَّة بأيِّ طريقةٍ كانت. أقول بأيِّ طريقةٍ كانت. فالولايات المتحدة دولةٌ عظمى قادرةٌ على التأقلم مع أيِّ نظامٍ سياسيٍّ حَتَّى ولو تضمَّن ذۤلكَ بعض المشكلات أو الأزمات لها. ولۤكنَّهَا على أيِّ حالٍ ليست عاجزةً عن استيعاب أيِّ نظامٍ سياسيٍّ بطريقةٍ أو بأخرى، والتعامل معه وفق مقتضيات طبيعته هو إذا لم تستطع التعامل معه وفق مقتضيات مصالحها. وما حدث في مصر من تعاملها مع الأخوان المسلمين صورة من ذۤلكَ. هي لم تقبل الأخوان المسلمين لأنهم عملاء لها كما يفتري بعضهم، ولٰكن لأنَّها أمام معطى لا تستطيع إلا التعامل معه. وكذۤلكَ شأن أيِّ نظامٍ سياسيٍّ سينشأ في المنطقة، لا بُدَّ له من الإقرار بأنَّ هناك دولة عظمى لا بُدَّ له أن يتعامل معها.
الذي كسر يد الولايات المتحدة الأمريكيَّة ومنعها من القيام بعمل في الثورة السورية، إلى جانب عوامل متعددةٍ، هو أنَّ كتلة النظام الإقليميَّ العربيَّ متمثلاً بقطبٍ أساسيٍّ وملحقات، تمارس كلُّ أنواع الضغوط على الولايات المتحدة، وهي قادرة على ذۤلكَ، من أجل عدم السماح بالتَّغيير الثوري في سوريا. ومن ثمَّ الحيلولة دون انتصار الثورة السورية مهما كلف ذۤلكَ من ثمن. وأرواح السوريين بهٰذا المعنى لا تزيد عن أرواح الدَّجاج الذي يذبح بالملايين يوميًّا.
ليس السوريون إلا دجاجاً عند هٰذه الأنظمة العربيَّة التي تريد القضاء على ظاهرة الثَّورة العربيَّة، وعلى ظاهرة الديمقراطية العربيَّة. وليمت ملايين السوريين. ما المشكلة؟ هم لا يخسرون شيئاً، ولن يخسروا طالما أنَّهم يلعبون بسوريا والثورة والنظام من أجل البقاء على عروشهم. سيخسرون فقط إذا انتصرت الثورة. إذا انتصرت الثورة فاحتمال خلعهم عن عروشهم كبير. ومصيبتهم في ذۤلكَ مركبة معقدة:
إن انتصار الثورة في أوائلها كان سيدعم مسيرة قطار الربيع العربي ليجتاح الدول واحدة تلو الآخر، ولذۤلك سارعوا من أجل وضع حدٍّ للربيع في دمشق ولا أستبعد أن يكون ذۤلكَ بالتنسيق مع النظام السوري نفسه. محاربة الثورة ذاتها أنتجت بنية معقدة أكثر وانفجار قيمي وبركان فوضى ضار واقعاً لا يمكن تجاوزه، وكلما تقدمت الأزمة السورية أكثر ذاد تعقيد الفوضى وضاقت قدرات وآفاق السيطرة عليها، بما يعني أن الحريق سيخرج السيطرة ويحرق الذين أشعلوه.
ولكن كيف سيسير القطار؟
القطار على سكتهم من جهة، وعلى سكة الثورة من جهة، وعلى سكة النظام من جهة، وعلى سكة الفوضى التي لم يحسبوا حسابها من جهة رابعة.
أي سكة سيركبها القطار وإلى أين سيسير؟
أترك لفطنتهم إن كانت موجودة أن يشغلوها، ويا ليتهم يضيفوا مسرع احتراق لتأمين ما سيلزم من الوقود.
وهيهات يفهموا آخر جملة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق