الجمعة، 24 أكتوبر 2014

الكلور الداعشي وفضحية أمريكا الجديدة

منذ يومين أثارت القنوات  التي تتبنى الحملة الأمريكية على الدولة الإسلامية مسألة لم تكن لتخطر في البال، وهي أن الدولة الإسلامية استخدمت غاز الكلور. استخدمت غاز الكلور؟!! خبر فيس بوك تناولته العربية وأورينت. قالوا في كوباني ثمَّ في الموصل... ثمَّ صار قضية رأي عام يخصص لها وزير الخارجية الأمريكية مؤتمراً صحافيًّا اليوم.
هي ادعاءات لا أثبتها ولا أنفيها. غاز الكلور هٰذا يستخدمه النظام السوري يوميًّا تقريباً في سوريا، وهو على أي حال ليس من الأسلحة المحرمة دوليًّا.
الطريف في الأمر أن العالم مهتاج على الآخر من هٰذه الادعاءات ضد الدولة الإسلامية، ولا يأتي بسيرة النظام السوري في هٰذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، ولا حَتَّى في غيره من المجازر. وفي سبيل تضخيم الأمر ضد الدولة الإسلامية عقد وزير الخارجية الأمريكي اليوم مؤتمراً صحافيًّا كاد يكون مخصصاً لهٰذا الموضوع، وصار أستاذ كيمياء، يحلل ويركب ويحاضر في الكيمياء، وقال بما معناه:
صحيح أن غاز الكلور ليس من الأسلحة المحرمة دوليًّا، ولۤكنَّهُ بقليل من التعديل يصبح محرماً دوليًّا... وإذا ثبت أن الدولة الإسلامية استخدمه فسيكون ذۤلكَ سابقة خطيرة...
يا لطف الله، وماذا سيكون؟
السؤال الذي يفرض ذاته الآن وقبل أي تحقيق أو إثبات أو نفي هو: إذا ثبت استخدام الكيماوي من قبل الدولة الإسلامية ماذا سيفعل أوباما؟ هل سيلقي القبض على السلاح الكلوري كما فعل بالسلاح الكيماوي السوري؟ أم سيريد تفتيش غرفة نوم أبي بكر البغدادي كما فعل جورج بوش الصغير مع صدام حسين؟
أوباما ظل سنة ونصف يهدد النظام السوري إذا استخدم الكيماوي، وعندما استخدم الكيماوي شكره وأخذ منه الكيماوي... كل الخطوط الحمراء تلاشت فجأة عندما تم استخدام الكيماوي، وسقطت هيبة أمريكا كما يقول الأمريكيون أنفسهم بسبب هٰذا السلوك الأوبامي الذي بلع عشرات التهديدات وسكت. أوباما لم يهدد الدولة الإسلامية، وهٰذا يفترض منطقيًّا أن يكون في صالح الدولة الإسلامية، فإذا ثبت استخدامها الكلور، الكلور وليس الكيماوي، ولم يمت واحد في ذۤلكَ... فهل سيكتفي أوباما بمصادرة هٰذا الكلور؟
هٰذا ليس محكا جديداً للسياسة الأمريكية ولن يكون كذۤلكَ، فالسياسة الأمريكية لا تحتاج إلى خريطة لمن يقرأ السياسة. فأوباما شخصيًّا ومنذ تمدد الدولة الإسلامية وإعلان الخلافة قال بالحرف: لن نسمح بقيام دولة إسلامية. وبابا الفاتيكان خرج عن صمته وقال منذ يومين في خطبة أمام قساوسة الفاتيكان: «لا يمكن أن نسمح بقيام دولة»، وتصاعدت الحملة ضد الدولة الإسلامية تحت شعار حماية الإسلام من التطرف، قادة أوروبا يريدون حماية الإسلام من التطرف. في حين أنَّ ظاهرها وباطنها الحرب على الإسلام، ولا يستطيع أحد إخفاء ذۤلكَ، حَتَّى بابا الفاتيكان ذاته صرح بذۤلكَ بوضوح لا لبس فيه منذ يومين، في 20/10/2014م، أمام اجتماع ضم تسعاً وسبعين كاردينالاً من العالم، وسبعة بطارقة من الشرق الأوسط، فقال بالحرف: «لا يمكننا أن نقبل بشرق أوسط يحكمه الإسلام».
ولذۤلك دعا البابا فرنسيس الأول التحالف  الدولي إلى التحرك أكثر لضرب المجاهدين، وتوجيه رد مناسبٍ لمواجهة ظاهرة إقامة الدولة الإسلامية، مشيرا إلى أنَّها ظاهرة تفوق الوصف في انتشارها، حسب ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.
وفي الاجتماع ذاته، وخلال مداخلة طويلة ومفصله، دعا سكريتير الفاتيكان الكاريدنال بيترو بارولين إلى «مشاركة دول المنطقة بشكل مباشر في حلول استئصالية لفكرة إقامة دولة إسلامية لأنها تشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل والعالم المتحضر». العالم  المتحضر هم الغرب فقط.
هنا لم يعد من شك في أن الحرب على الدولة الإسلامية ليست حرباً على الإرهاب كما يروجون ويزعمون. وتنامي قوة داعش الذي تخوف منه البابا، والغرب عامة يدحض مزاعمهم بأنها منظمة إرهابية، ففي حين أن داعش منظمة إرهابية، وإرهابية متطرفة كما تقول كل وسائل الإعلام، فإنَّ كل وسائل الإعلام هٰذه ذاتها تتحدث منذ أكثر من أسبوع عن الإقبال الشديد من الأوروبيين والأمريكيين الأصليين والوافدين للتطوع في صفوف هٰذه المنظمة الإرهابية...
طيب، ما سر هٰذا الإقبال الشديد الذي لم تحظ به منظمة إرهابية في العالم قبل اليوم، حَتَّى المافيا التي هي منظمة خارقة للحدود لم يحدث مثل هٰذا الإقبال عليها على رغم رواتبها المغرية جداً بالمقارنة مع داعش التي لا تدفع شيئاً على الأقل بالمقارنة مع المنظمات الإرهابية الأخرى، بل مصير أعضائها الموت شبه الحتمي؟!
نحن هنا أما ما يتجاوز التناقض إلى دحض المزاعم. كما أن المزاعم الأخرى تتهاوى بالطريقة ذاتها بتناقضات الزاعمين أنفسهم لا غيرهم، فوسائل الإعلام ذاتها التي كانت تقول: داعش صنعها النظام السوري، داعش عميلة أمريكا... اليوم هي نفسها تبرر تقدم داعش على الرَّغْمِ من الحملة الدولية عليها بأنها خبيرة في القتال فقد حاربت أمريكا منذ عشر سنوات وامتلكت خبرة قتالية كبيرة في محاربة أمريكا هذه السنوات!!!


الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

فليتعلم الغرب الديمقراطية من ديمقراطيتنا



على من لا يريد الترشح للرئاسة تسجيل اسمه.
منذ أكثر من عشرين سنة وأنا أقول: على الغرب، على أوروبا وأمريكا أن يتعلموا الديمقراطية من بلادنا. وهل يمكن أن تقارن ديمقراطيتهم بديمقراطياتنا؟
قطعاً لا تجوز المقارنة. الديمقراطية في بلادنا منفتحة آخر انفتاح، وتصل إلى سقف سقف الديمقراطية، بينما الديمقراطية الغربية محدودة. الخيارات مغلقة أمام المواطن الغربي، أمام المواطن العربي فالخيارات أمامه مفتوحة، مفتوحة على الآخر.
في أوروبا وأمريكا يخوض انتخابات الرئاسة اثنان، ثلاثة أشخاص بالأكثر، وفي التصفيات يكونون أربعة أو خمسة بالأكثر. يعني المواطن مسكين، ملزمٌ بواحدٍ من اثنين أو ثلاثة. أمَّا في بلادنا يا سادة فلا توجد هٰذه الإكراهات للمواطن. الذين يقدمون أوراقهم للترشح بعشرات الآلاف... عندما كانت في مصر ديمقراطيَّة، أيام ترشح محمد مرسي، رأينا طوابير المواطنين المتقدمين للترشح لرئاسة الجمهورية في مصر بالآلاف... وخلصت اللجنة أخيراً إلى إبقاء اثني عشر مرشحاً. في أول انتخابات ليست انتخابات في سوريا على رغم كل شيء ترشح ثلاث وعشرون مواطناً، ولأسباب أمنية بقي ثلاثة فقط كما وعد شريف شحادة قبل الانتخابات بأشهر عندما قال: سيخوض الانتخابات ثلاث مرشحين.
للأسف لا يوجد حالات أخرى لذكرها مثالاً. هاتان هما الحالتان الوحيدتان اللتان جرى فيهما ترشيح لانتخابات رئاسية في العالم العربي منذ ستين سنة؛ واحدة حقيقية في مصر، وواحدة زائفة في سوريا.
ولٰكنَّ هاتين الحالتين تعكسان عكساً أنموذجيًّا لما ستكون عليه الأمور فيما لو فتحت أبواب الترشح الحر في العالم العربي. ستجدون ما لا يقل عن نصف المواطنين مصطفاً على أبواب لجان استلام طلبات الترشح لرئاسة الجمهورية... ورُبَّما تجدون من يعلق قائلاً: يرجى من المواطن الذي لا يريد الترشح للرئاسة أن يرفع يده.
فهل الغرب يعيش ديمقراطية أوسع من ديمقراطيتنا؟
لا تبتعدوا كثيراً، الأمر لا يتوقف على الرئاسة فقط. تعالوا ننظر إلى مشهد الانتخابات النيابية التونسية التي تجري في هٰذه الأيام، تخيلوا أن مئة وتسعين حزباً تتنافس على كراسي البرلمان التي يبلغ عددها 217 كرسيًّا... كيف يمكن أن تبى دولة أو يحدث توافق تحت أي ظرف من ظروف النتائج؟
تونس التي تخلصت من حكم الفرد والحزب الواحد وتخوض تجاربها الديمقراطية الأولى هٰذه هي. تونس ليست استثناءً أبداً، فلا يوجد بلد عربي إلا فيه عشرات الأحزاب.
بعيداً عن السخرية وواقعنا لا يحتمل إلا السخرية، أي ديمقراطية هٰذه التي تفرز عشرات الأحزاب؟ هل هٰذه الديمقراطية؟ أن يكون لكل شخص حزب، وأن يترشح كل مواطن لرئاسة الجمهورية؟ أي ديمقراطية هٰذه؟!! هٰذه ليست عبثية أيضاً، إنَّهُ غباء هستيري مكفول بوكالة رسمية.
أتلكم هنا عن الدول التي فيها مناخ حرية وديمقراطية ولا أتكلم عن الأنظمة المتفردة في  السلطة. الأنظمة المتفردة في السلطة تحتاز الطرف المقابل لهذه الغباوة الهستيرية، التي يمكن اختصارها بقصتين. الأولى نقاش بَيْنَ سوري وأمريكي في التفاخر بالديمقراطية، سأل السوري الأمريكي:
ما دلائل الديمقراطية التي تدعيها؟
قال الأمريكي: أنا الآن أستطيع أن أقف أمام البيت الأبيض وأسب الرئيس كلينتون ولا أحد يعترض علي أو يسألني ماذا تفعل.
فقال السوري: حلو، حلو، وأنا أيضاً أستطيع الآن أن أقف أمام القصر الجمهوري وأسب الرئيس كلينتون ولا أحد يعترض علي أو يسألني ماذا تفعل.
أما القصة الثانية، وهي للمصادفة مرتبطة أيضاً ببل كلينتون الذي التقى بالرئيس حافظ الأسد، وقد علم أنَّهُ يريد ترشيح نفسه للمرة الرابعة، فقال له:
ـ سأهديك أجهزة فرز أصوات الناخبين الإلكترونية التي اخترعناها مؤخراً.
سأله حافظ الأسد: وما ميزتها؟
قال كلينتون: بدل أن يطول الفرز ويضيع الوقت، تقوم هي بفرز الأصوات وتعطيك النتائج بعد اثني عشر ساعة من انتهاء الانتخابات.
فقال حافظ الأسد: قديمة، أجهزتنا تعطيك النتائج قبل الانتخابات بأسبوع.
هٰذه هي ديمقراطيتينا أيها السادة. أفلا يجدر بالعالم الأوروبي والأمريكي أن يأتي ويتعلم منا؟!