الأحد، 26 يناير 2014

جنيف الفخ وفخ جنيف



أكثر من سنة من التحضير لجنيف 2، ما بَيْنَ تمديد وتجميد وتحييد وتحديد... والكثيرون يتساءلون لماذا؟ لماذا بعد كل هٰذا التحضير كانت النتائج أسوأ من جنيف واحد بألف مرة؟
أجبت على هٰذا السؤال مع بدء التحضير لجنيف2. وكانت ذۤلكَ في تعليقات مختصرة على صفحات التواصل الاجتماعي. وأعيد لملمة هٰذه الإجابات من جديد.
سأبدأ من آخر تعليق نشرته قبل جنيف 2 بأيام قلت فيه: «إذا لم تنتصر الثورة السورية قبل الانتخابات الرئاسية فإن بشار الأسد باق إلى الأبد؛ سيترشح للانتخابات، ويفوز في الانتخابات، وندخل في متيه شرعية دستورية جديدة». ولن تستطيع قوة في الأرض أن تمنعه من الترشح، ولا أن تمنع نجاحه.
إلى هٰذه النقطة أردا المجتمع الدولي أن يوصل سوريا والثورة السورية. كتبنا مراراً وتكراراً أن المجتمع الدولي جميعه تقريباً راضٍ عن بشار الأسد وعمَّا يقوم به بشار الأسد، وبشار الأسد يدرك ذۤلكَ تماماً ويتصرف على هٰذا الأساس. وهٰذا يعني تماماً أنَّ جنيف 2 تأسيساً وتنظيماً وتأجيلاً إلى هٰذه الفترة كان بتنسيق وتوافق بَيْنَ بشار الأسد والمجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا وليس روسيا كما يتوهم الكثيرون.
طالما أنَّ التفاوض على أساس جنيف، وإذا كان المجتمع الدولي جاداً أو صادقاً في تنفيذه فلماذا مطمط أكثر من سنة ونصف؟
وعلى افتراض أيِّ نية أخرى للحل السلمي في سوريا؛ لماذا هٰذه المطمطة ثلاث سنوات أو سنتين على الأقل من أجل فرض الحل السلمي؟
وعلى افتراض أنَّهُ لا علاقة لجنيف واحد بجنيف 2 وأنَّهُ، كما كان المؤتمر فعلاً، من دون أيِّ ضمانات، ومن دون أيِّ مخطَّطٍ تفاوضيٍّ، ومن دون أيِّ اقتراحات... وطالما أنَّهُ فرض على الرَّغْمِ من الجميع، فلماذا كان كل هٰذا التأخير والمطمطة على مدار أكثر من سنة، في حين كانت صواريخ سكود والبراميل والمدفعية تدك المدن السورية من الجنوب إلى الشمال، وما زالت؟
لا نريد أن نكرر كثيراً بداهة أن تدمير سوريا غاية ما تصبو إليه إسرائيل وأمريكا والأنظمة العربيَّة لتظل إسرائيل عشرات السنين بأمان رُبَّما مطلق على حسب ما يحسبون. ناهيكم عن المستثمرين الذين يطمعون بالاستثمارات في غابة الدمار والخراب هٰذه التي خلفها بشار الأسد وما سيسمى الصِّراع في سوريا... أو ما سيكرس في أذهان الشعوب تحت عنوان: هٰذا ما جناه السوريون على أنفسهم بثورتهم.
بعيداً عن ذۤلكَ، فإنَّهُ، حسب معلوماتي، لم أسمع عبر تاريخ الثورات عن ثورة تفاوض النظام الذي ثارت عليه من أجل انتقال السلطة. وهٰذه نقطة الفصل في الموضوع. لقد سعى المجتمع الدولي وعلى رأسه العربي على مدار ما سبق إلى تفريغ الثورة من مضمونها وتحويلها إلى صراع. وقد كان ذۤلكَ عبر شراء ذمم قادة الثورة الذين يمكن شراءهم ومحاربة الذين لا يمكن شراءهم وتهميشهم وإضعافهم بحيث لا يكون لهم إمكانية لعب أيِّ دور أو تأثير أو اعتراض.كل ذۤلكَ من أجل تقديم الضَّمانات التي يريدها المجتمع الدولي من ممثلي الثُّورة الجدد، والقيام بما يطلب منهم من أجل إنهاء فكرة أنَّ ما يدور هو ثورة، والقضاء على الثورة، والتفاوض على أساس صراعٍ بَيْنَ طرفين على السلطة. وبعدما تحقَّق للمجتمع الدولي ذۤلكَ استطاع أن يحدد موعد جنيف من جهة، وأن يختار الوقت الماسب له من جهة ذاني، من أجل أن يحقق من المؤتمر أحد أمرين، وما بينهما ضمناً أمور كثيرة. وأما الأمرين فهما:
الأول: هو الانتقال السلمي للسلطة من النظام إلى المعارضة، والأفضل فريق توافقي، يوافق على الإملاءات الأمريكية الإسرائيلية الروسية. وهنا نحن أمام أكثر من مشروع لهذه التوافقية، ولٰكنَّ كل هٰذه المشاريع تدور في حلقة واحدة هي المحاصصة الطائفية العرقية على الطريقة اللبنانية أو العراقية بحيث لا تقوم دولة ديمقراطية ولا دينية بحال من الأحوال. وقد أفضنا في ذۤلكَ في غير هٰذا المكان أكثر من مرَّة. والحقيقة أنَّ هٰذا هو أكثر ما يتمناه ويرجوه المجتمع الدولي، ولا يتمنى ولا يقبل أكثر من ذۤلكَ قيد أنملة لمصلحة الثورة والشعب السوري. أقول هٰذا أقصى ما يمكن للمجتمع الدولي أن يتمناه ولا أقول يريده، لأنَّهُ لا يستطيع أن يريد، ولا يستطيع أن يفرض ذۤلكَ أو يقرِّره، وإن كان الكثيرون يتوهمون أن أمريكا قادرة على ذۤلكَ قياساً على تجريد سوريا من الكيماوي على سبيل المثال. أما روسيا فهي تعرف بشار الأسد جيداً، بشار الأسد هو النظام في سوريا ولا يوجد نظام غيره، وأعلنت بوضح بعد التبرم من الاتهامات الدولية أنَّها عاجزة عن جعله يتنحى، وأنَّهُ لن يغادر السلطة إلا جثة.
الثاني: هو الذي يركز عليه النظام والمجتمع الدولي معاً، وهو وحده القادر على تفسير المطمطة والتأخير إلى هٰذا الوقت. المرجو والمطلوب هنا هو المطمطة في التفاوض من خلال الإغراق في التفاصيل وإعطاء النظام فرصة لاستجماع القوى وتنظيم نفسه في ظل هدنة هنا وابتزاز هناك من خلال سياسة الإغراق في التفاصيل... حَتَّى يصل موعد الانتخابات الرئاسية ويترشح بشار الأسد للانتخابات. ولا حاجة بنا للأدلة التي تثبت سلفاً أنَّهُ إذا ترشح بشار فإنه سينجح ولا يمكن إلا ان ينجح. وقد أكد بشار الأسد رغبته التامة في الترشح من دون لف أو دوران.
أن تكون هٰذه رغبة بشار الأسد فذا أمر يمكن تفهمه، ولٰكن كيف يمكن أن تكون هٰذه رغبة المجتمع الدولي؟
يمكن أن نعود إلى التصريحات الإسرائيلية في بداية الثورة التي قالت: شيطان تعرفه خير من شيطان لا تعرفه. هٰذا في أحسن احتمالات توصيف نظام الممانعة. يرى الأمريكان والإسرائيليون خاصة أنَّ أن بشار الأسد خير من يضمن حدود إسرائيل وأمنها بناء على تجربة عمرها أربعين عاماً. وغذا ما وضعنا بعين النظر الجماعات الإسلامية التي انتشرت في سوريا، وإذا ما أخذنا بعين النظر نتائج الربيع العربي قبل الإجهاز عليها، وجدنا أن أحسن من سيكون لإسرائيل بعد بشار الأسد لن يكون أحسن منه، وأسوأ من سيكون سيكون بشار الأسد أحسن منه لإسرائيل. ولا نتحدث هنا عن مصلحة إيران وروسيا في الموضوع فهما على درجة التحامية من الشراكة. ولا مانع لأمريكا وإسرائيل أن يظل نظام الأسد في حضن إيران وروسيا لأنه وهو كذۤلكَ أفضل بألف مرة من أي بديل.
أما الدول العربية فلا تختلف مصلحتها عن مصلحة أمريكا وإسرائيل في المبدأ. ويضاف إلى ذۤلكَ هو الرعب الهائل من انتصار الثورة السورية وامتداد الربيع العربي واستمراره. الدول العربيَّة لا تريد أبداً أن تنتصر الثورة مهما كلفها ذۤلكَ من ثمن. والمهتمون أو المتابعون يدركون أن دول الخليج العربي هي التي اشترت الذمم من أجل القضاء على الثورة وليس من أجل نصر الثورة كما يتوهم الكثيرون.
قد يعترض معترض بأن الإعلام السوري والمسؤولون السوريون شوهوا الأمراء والملوك بالشتائم والاتهامات، وأنه صار لهم ثأر شخصي معه... وهٰذا في حقيقة الأمر وهم لا أساس له من الصحة. إن سيل السباب والشتائم والاتهامات التي يكيلها النظام السوري للملوك والأمراء هي رصيد شؤف لهم أمام شعوبهم لأنهم يدعمون الثورة السورية ويقفون مع الشعب السوري المكلوم الجريح المنتهك... ولا أبالغ إذا قلت إن بعضهم يدفع الملايين للمسوؤل السوري الذي يشتمهم. وفوق ذۤلكَ كله توجد تسريبات غير قليلةٍ تؤكِّد استمرار التَّنسيق بَيْنَ هٰذه الأنظمة والنِّظام السُّوري، ودفع الأموال الداعمة لصموده أمام الشعب. وبعيداً عن التسريبا انظروا إلى سلوك هٰذه الدول مع من يرفع علم الثورة السورية في بلدانهم!!! انظروا كيف يلاحقون الداعمين ويعتقلونهم!! انظروا كيف يمنعون جمع التبرعات لمساعدة السوريين المهجرين المشردين!! هل يمكن القول إن هٰذه الأنظمة تقف مع الشعب السوري أو الثورة السورية؟!

الجمعة، 24 يناير 2014

نحن أمة بلا بوصلة


ثمة إجماع في الثقافة التي تربيتنا عليها منذ أكثر من خمسين سنة، الثقافة القومية، والناصرية، والبعثية، والوطنية، والشيوعية، وحتى الإسلامية... هذا الإجماع فرض علينا قناعة أن من تحاربة أمريكا فهو على صواب، فهو مخلص لوطنه... وتكرست في ثقافتنا وعقولنا عبارة صارت شهيرة جداً تقول: على من تزكيه أمريكا أن يشك في نفسه.
ترى ماذا جرى حتى صار من تحاربه أمريكا نحاربه بلا تفكير؟
ترى ماذا جرى حتى صار من تزكيه أمريكا هو الوطني المخلص؟
لا أريد أن أطيل
نحن أمة بلا بوصلة
حقاً إن مأساتنا تكمن في ضياع البوصلة
منذ ما سمي الاستقلال عن الدولة العثمانية والدخول تحت نير الاستعمار الأوروبي ضاعت البوصلة وصرنا كالغراب الذي راح يرى نفسه ببغاء تارة وتارة طاووسا وأخرى حماما حتى لم يعد يستطيع العودة إلى أصله
إن ضياع البوصلة ليس مسألة سهلة أبداً كما قد يظن من يحب الظن. إن قصة الغراب عبرة خطيرة وليست مثلاً سائراً وحسب. فإيجاد البوصلة لا يعني سهولة العودة إلى الأصل. ضياع البوصلة ضياع للمقاييس والمعايير، أي ضياع كل شيء. ألم ترى غير مرة صوصاً مرتميا في حضن هرة، وغزالاً مرتمياً في حضن سبع لا يدري أن في ذلك الهلاك؟
إن مأساة أمتنا منذ مطالع القرن العشرين إلى اليوم هي ضياع البوصلة، وضياع الهوية ليس إلا جزءاً يسيراً من ضياع البوصلة؛ آمنا بالقومية وحاربنا القومية، آمنا بالإسلام وحاربنا الإسلام، آمنا بالعلمانية وحاربنا العلمانية... دخلنا كل المداخل وجاربنا أنفسنا في كل شيء... تناقضات عجيبة أفرزها ضياع البوصلة، صرنا بصراحة كما يقولون في الشام: مثل كلاب مدينة الهامة لا لحقت عرس قدسيا ولا عزاء دمر!!!
من تضيع بوصلته يصير مثل الكلب الذي يركض وارء اثنين كل منهما يسير في اتجاه مخالف للآخر. فلا يمسك هذا ولا يمسك ذاك.
قرن كامل ونحن نلهث وراء كل الاتجاهات معاً وندخلها في صراع مع بعضها معاً، ونعتب على المؤامرة الغربية ضد الأمة، في حين أن نصف هزيمتنا من نفوسنا. الغرب يسعى لتحقيق مصالحه فإلى ماذا كنا نسعى؟

إن السلاطين في ذروة التقوى شياطين





سأل فيصل القاسم:
لماذا قال جون كيري بالأمس: إن العالم سيحمي العلويين بعد سقوط الأسد، وليس بعد تنحي الأسد؟
الأمر سهل يسير:
أولاً: هو متأكد أن الأسد لن يتنحى.
ثانياً: هو يقول إن أحداً لن يساعد الثورة.
ثالثاً: هو يقول إذا سقط الأسد فإن العالم سيهب للتدخل لحماية العلويين.
رابعاً: هو يعطي ضمانات وحوافز للعلويين للوقوف مع الأسد إلى آخر لحظة من وجود الأسد كي لا يخذلوه إذا شعر بالانكسار أو أوشك على الانهيار لعله يصمد ويبقى.
خامساً: هذا الإغراء للعلويين بالوقوف مع الأسد إلى آخر نفس مقابل الحماية إذا سقط الأسد لا يختلف عن وقوف الولايات المتحدة مع أعز أصدقائها عبر التاريخ... ارجعوا لوقفتها مع أصدقائها..
سادساً: هو قال العالم ولم يقل الولايات المتحدة كي لا يلتزم بتعهد... وليس من عادة الولايات المتحدة أن تحمي أصدقائها إذا سقطوا...
سابعاً: كان من المتوقع منذ سنتين أن يتدخل الغرب بعد سقوط النظام أو مع سقوطه فقط، بذريعة حماية الأقليات... ولكن بعد الآن لن تجرؤ دولة على الدخول إلى سوريا اللهم إلا إذا وهذا الإذا شبه مستحيل.
ثامناً: على اي حال هناك مساع أمريكية إسرائيلية لدخول قوات حفظ سلام إلى سوريا تحت أي ذريعة، منها الفصل بين المتشابكين، ومنها حماية الأقليات... والنظام روج لذلك مع بدء مهمة الأخطل الإبلاهيمي تماماً. ولكن هذه المهمة باتت على درجة من الصعوية تجعلها شبه مستحيلة.
السؤال الذي سيسأله السوريون أجمعين لكيري وسواه: أين كنتم من حماية الأكثرية وهي تذبح على مدار ثلاث سنوات ولا أحد يعلق تعليقاً يبل القلب...؟
ألا يريد كيري بهذا الكلام أن يؤجج الحقد على العلويين وهو يزعم أنه يدافع عنهم؟
ألا يريد كيري أن يوحي للناس بتحميل العلويين وحدهم المسؤولية عمَّا حدث من مجازر وقتل وخراب ودمار ويدعو الناس للانتقام كي يوجد مسوغاً للتدخل الخارجي، ولن يكون أصلاً تدخل خارجي لأن مخاطر أي تدخل خارجي في سوريا أكبر بكثير من عدم التدخل... ومهما حدث في سوريا فلا أحد يستطيع أن يتدخل إلا بالخبث الذي يجدي أياماً ولا يدوم أبداً...؟؟!!
يجب أن نقرأ الواقع جيداً، وقراءة صحيحة: إن تحميل العلويين بما هم طائفة مسؤولية مجازر النظام وممارساته أمر ينطوي على المبالغة والخطأ. هناك كثير من العلويين متورطون، وهنا الكثير من السنة معهم، والمسيحينن والدروز.... وهؤلاء كلهم هم من يقف مع النظام بحكم المصلحة أو الغباء أو الخوف أو غسيل الدماغ... لننظر إلى من يقفون مع السيسي في مصر ضد الثورة، من هم؟ إنهم سنة ضد السنة، لا طائفية ولا هم يحزنون. الواقفون مع السيسي والواقفون مع بشار سيان وسواء.
نحن لا نتجاهل الإيقاع الطائفي الذي فرضه النظام في سوريا وأوحى بالحرب الطائفية لاستجماع الطائفة والطائفيين حوله... وأدى هذا التجييش الطائفي إلى ردة فعل طائفية عند كثير من الناس. ولكن المسؤول أكثر من الجميع عن ذلك هو ماكينة النظام السياسية والمخابراتية والإعلامية. وهذا الأمر ذاته يحدث في العراق ببمارسة السلطة التي تتصرف تصرف طائفياً صريحاً، وتحشد على أساس طائفي، وهل أوضح من قول المالكي قول إذ قال: الحرب اليوم بين الحسين ويزيد؟!!
إنَّ الأنظمة مهما بغلت من الإيمان والتقوى أشد كفراً من إبليس. وإنَّ السلاطين إن كانوا في ذروة التقوى فهم أشيطن من الشياطين. لا اقول ذلك على سلاكين العرب بل كل السلاطين. وهل يخرج أوباما أو جورج بوش الابن أو الأب أو بوتين... عن هذا الحكم؟